بحث جاهز حول البحرية الجزائرية في العهد العثماني

البحرية الجزائرية في العهد العثماني

بحث جاهز حول البحرية الجزائرية في العهد العثماني

البحرية الجزائرية في العهد العثماني

كانت الجزائر خلال العهد العثماني من أقوى الدول فى حوض البحر الأبيض المتوسط، كما كانت تحتل مكانة خاصة فى دولة الخلافة هذه إذ كانت تتمتع باستقلال كامل مكنها من ربط علاقات سياسية وتجارية مع أغلب دول العالم

بل وهي أول دولة اعترفت بحكومة الثورة الفرنسية عام 1789 م وبالثورة الامريكية بعد استقلالها عن التاج البريطاني عام 1776م.
كان الإسم الحقيقي للدولة الـجـزائـريـة هو “أيـالـة الجــزائر” وأحيانا إسم ” جمهورية الجزائر” أو ” مملكة الجزائر”، و أبرمت عشرات المعاهدات مع دول العالم

كما بلغ أسطولها البحري قوة عظيمة بحيث استطاع خلال القرن الثامن عشر إحداث نظام للملاحة فى المتوسط يضمن أمن الدولة الجزائرية خاصة والدولة العثمانية عامة وبصورة أعم بالنسبة للتجارة الدولية فى هذا البحر وهو ما جعل الدول الأوربية تعمل على إنهاء هذا النظام تحت غطاء إنهاء ما كان يسمى بـ  القرصنة التي كانت تمارسها جموع المغامرين الأوربيين بموافقة دولهم ومؤازرتها لهم.

في حين أن ذلك كان أسلوبا دفاعيا لمواجهة المد الاستعماري الذي انطلق منذ القرن الخامس عشر والذي دخلت الجزائر بمحض اختيارها من أجله ضمـــن “الخلافة العثمانية ” وتحت حمايتها

أهمية البحرية الجزائرية في البحر المتوسط 

ولم يقتصر العثمانيون في اسطنبول على اعتماد الأسطول البحري الجزائري، واشتراكه في الحروب بل اعتبرت الجزائر مدينة بحرية بقيت طيلة ثلاثة قرون حتى القرن التاسع عشر تزود الدولة العثمانية بأفضل بحارتها وأكبر قادة أساطيلها، “كعلي باشا” الذي كان جنديا في الإيالة، ثم تحول إلى وكيل لها في اسطنبول،

ونظرا لما أبداه هذا الموظف من شجاعة وانضباط في العمل، فقد استدعاه السلطان سليم الثالث عام 1807 لدراسة أسباب الأزمة السياسية التي حدثت بين الدولة العثمانية وبريطانيا التي بدأت تهدد العاصمة اسطنبول، وكلفه بقيادة الأسطول العثماني، وفي عام 1808 عزله السلطان مصطفى الرابع من منصبه، لكن السلطان محمود الثاني عندما تولى الحكم في اسطنبول أعاد علي باشا إلى منصبه في نوفمبر 1808

وقد عزله بعد ذلك حتى لا يتعاظم نفوذه، وحتى لا يهدد مصالح الحكام، وهناك جندي آخر في البحرية كانت له سمعة كبيرة في الباب العالي، وهو “طاهر باشا” الذي كان جنديا في الإيالة، ثم تحول إلى جندي في فرقة المدفعية بالبحرية العثمانية، ونظرا لخبرته العسكرية، وإتقانه لعدة لغات أجنبية فإنه اشتهر بين رؤساء البحر، وفتحت أمامه الأبواب لتولي المناصب العليا في الأسطول العثماني

ورغم أن البحرية الجزائرية كانت في نظامها تقليدية مقارنة بالبحرية الأوروبية، فإن البحرية التابعة للإيالة استطاعت أن تدافع عن السواحل الجزائرية ، وقد لعبت دورا هاما وفعالا في عدة حروب شاركت فيها مع الدولة العثمانية، ورغم اهتمام الإيالة بالأسطول البحري، فإنها لم تستطع أن تقدم سوى عددا محدودا من السفن الحربية الصغيرة، والتي كان أغلبها يحتاج إلى صيانة وإعادة التجهيز

ونظرا لأهمية هذا الأسطول، فقد كانت اسطنبول تستدعيه دائما للمشاركة في حروبها بالبحر السود وبحر إيجه ، ولم تكتف الدولة العثمانية بالاستعانة بالأسطول البحري الجزائري، بل كانت تتلقى طيلة ثلاثة قرون، أحسن البحارة من الجزائر مثل “علي باشا” الذي كان جنديا في الجزائر، ثم “طاهر باشا” الذي التحق بالبحرية ثم المدفعية

ولقد برزت قيمة و أهمية البحرية الجزائرية كشكل من أشكال الحركة التجارية في أوقات الحرب، إذ اعتمدت على التفوق في الميدان العسكري، حيث تجسدت  قيمتها في الميدان التجاري وفي الجمع بين بيع الأسرى، وإعادة بيع السفينة المحملة كمصدر أساسي لثروة سكان الإيالة العاملين في البحرية

وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر كثفت الدول الأوروبية هجماتها وتدخلاتها على السواحل الجزائرية، وقد اتخذت هذه الهجمات أبعادا مختلفة اقتصادية ودينية وثقافية

ومن بين هذه الهجمات نذكر الهجوم البريطاني بالأسطول الحربي على مدينة الجزائر عام 1652، ومحاولات فرنسا التوسعية كالهجوم على مدينة جيجل عام 1664 وعام 1665، وفي نفس السنة قامت بريطانيا بقصف سواحل الإيالة وميناءها

بالإضافة إلى الهجمات التي شنتها فرنسا على الجزائر بالمدفعية عام 1672 و1682 و1688 وقد باءت الحملات الإسبانية بالفشل والتي كانت في أعوام 1775 و1783 و1784 .

 والجدير بالذكر أن القرصنة بالنسبة للجزائريين كانت صناعة تتقيد بالعرف والقوانين الدولية  على نقيض القرصنة البرتغالية، وكانت البحرية الجزائرية كما ورد في دفاتر التاريخ المغربية تهدد مصالح الدول الأوروبية في البحر الأبيض المتوسط، وبالنسبة للجزائريين، فقد ألزموا دول أوروبا عقد معاهدات معهم للسماح لهم بالملاحة في البحر الأبيض المتوسط، مقابل إتاوات، أو قروض، وكانت الجزائر تعامل الأسرى معاملة حسنة مع السماح لهم بممارسة طقوسهم الدينية.

ولقد بلغ نشاط البحرية الجزائرية ذروته مع حلول النصف الثاني من القرن السابع عشر، إذا أصبح يرتبط ارتباطا وثيقا بالأوضاع الداخلية للإيالة الجزائرية في المجال الاقتصادي والاجتماعي عن طريق ما توفر للسكان من مصادر للعيش خاصة بالنسبة للصناع والحرفيين، وحتى أصحاب الدكاكين

وقد أصبحت الغنائم تشكل موردا اقتصاديا هاما لأغلب سكان الإيالة والمدن الساحلية، وفي هذا القرن اكتسى نشاط البحرية صبغة اقتصادية وسياسية، وابتعد كثيرا عن الصبغة الدينية، ومع نهاية هذا القرن بدأ هذا النشاط يقل ويتراجع وبخاصة بعد ظهور أساطيل أوروبية  خاصة وأن الإيالة الجزائرية قد عرفت مع حلول القرن الثامن عشر ونهايته تراجعا ملحوظا للحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية

وقد أدى اتساع الهجمات التي كانت تشنها الدول الأوروبية من حين لآخر بأساطيلها على السواحل الجزائرية بغية القضاء على البحرية، إلى إضعاف قوتها، ولجوء الإيالة إلى عقد معاهدات سلام، كانت في سنوات 1628، و1666 و1683 مع فرنسا، ومع هولندا عام 1680، ومع إنجلترا عام 1682

وقد ذكرت لنا الكتابات التاريخية الفرنسية بأن المدن الساحلية الجزائرية قد تعرضت في الفترة ما بين 1634 إلى 1789 إلى عشرة هجمات قد أضرت كثيرا بالبحرية الجزائرية، وأسفرت عن خسائر مادية ومعنوية كبيرة، كما تراجع عدد البحارة الجزائريين، حيث لم يتجاوز العدد عام 1769، 5300 بحارا، ولم يتعدد  عدد السفن الحربية الجزائرية 06 بواخر عام 1738

ورغم ذلك فقد شهد نشاط البحرية الجزائرية نوعا من الانتعاش في الخمسة سنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر بسبب الأوضاع التي كانت تعيشها دول أوروبا وشعوبها التي كانت في حالة غليان نتيجة تردي أوضاعها الاجتماعية، حيث انتشر الفقر والبؤس، وازدادت حدة الإقطاع وفساد الأنظمة السياسية والملكية المطلقة والرجعية.

وقد برز في هذه الفترة عدد كبير من رياس البحر مثل الرايس حميدو، وقد انتعشت خاصة البحرية الجزائرية في فترة الثورة الفرنسية 1789، إذ تضاعف عدد القطع البحرية في أسطول الإيالة، فوصل إلى واحد وأربعين قطعة.

النظام العسكري في البحرية 

وكان النظام الذي طبقه الجزائريون في تكوين طاقم السفينة في الإيالة، هو نفسه النظام الذي اعتمدته الدولة العثمانية، وقد تشابهت الوظائف مع بعضها البعض بين الإيالة والباب العالي  وكانت الإيالة تفتح أبواب البحرية أمام الراغبين من العامة في العمل بها.

وقد ذكرت لنا بعض المصادر الفرنسية بأنه من بين ألف وخمسمائة بحار كانوا يمارسون عملهم في ميناء الجزائر عام 1820 كان ثلثهم أي خمسمائة من الرعية، والباقي من الأوجاق ومن بين تسع سفن خرجت في البحر المتوسط في أكتوبر 1804، كان رؤساء أكبر ثلاث سفن منها من الرعية، ومن اشهرهم “الرئيس حميدو” الذي كان خادما في ضباط الجيش البحري، ثم ارتقى إلى رتبة بحار وزميل وبعدها إلى ضابط، إلى أن أصبح رايس أي قائد الأسطول الإيالة .

وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر كانت البحرية الجزائرية تقليدية في نظامها، إذا ما قارناها مع نظم البحرية الأوروبية التي أصبحت تعتمد بمرور الزمن على الأساليب المتطورة والمناهج العلمية والابتكارات، ورغم ذلك فقد بقيت الإيالة حتى عام 1816 م قادرة بإمكانياتها الدفاع عن سواحلها من الهجمات الأوروبية

كما شاركت وبقوة وفاعلية مع الدولة العثمانية في حروبها، بيد أن الهجوم الإنجليزي الذي كان في هذه السنة (1816) قد أدى إلى شلل جزئي للبحرية، وكان بمثابة ضربة قوية يتلقاها الأسطول الجزائري في البحر المتوسط، وبدأت بذلك أسطورة “الجزائر المحروسة” تتلاشى ، ورغم ما تلقته الإيالة من الباب العالي من مساعدات.

وحتى من سلطان فاس فإنها لم تستطع أن تمتلك عام 1819 سوى مجموعة محدودة من السفن الكبيرة أغلبها كانت لا تصلح للإبحار، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من السفن الصغيرة والمتوسطة، وقد أفادنا أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية بقائمة أنواع السفن الجزائرية لعام 1819، وحتى كيفية الحصول عليها.

وأما فيما يتعلق بأنواع السفن التي كانت تعتمد عليها الإيالة في البحرية، فإن كثرة أنواعها كانت توحي بمدى اهتمام الجزائريين بالبحرية، ومن بين تلك الأنواع ما جاء في الأرشيف الوطني الفرنسي، “سفينة بركندة، بلاقرة، سكونة، فرقطون، بلانديرة وقليوطة” ، وكان أغلب هذه الأنواع من السفن مستعملا في الإيالات المتوسطة المجاورة كطرابلس وتونس، وحتى في العاصمة العثمانية اسطنبول، مصر.

مؤتمر فيينا

لقد بادرت فرنسا في “مؤتمر فيينا” (1814/ 1815)م بطرح موضوع ” أيالة الجزائر” فاتفق المؤتمرون على تحطيم هذه الدولة في مؤتمر ” إكس لا شابيل ” عام 1819م حيث وافقت 30 دولة أوربية على فكرة القضاء على “دولة الجزائر” وأسندت المهمة إلى فرنسا وانكلترا


وتوفرت الظروف المناسبة للغزو عندما تمكنت بحرية البلدين من تدمير الأسطول الجزائري في معركة نافارين (Navarin) سنة 1827م، حيث كان في نجدة الأسطول العثماني وبذلك انتهت السيطرة الجزائرية على البحر الأبيض المتوسط.

لقد كانت حادثة المروحة الذريعة التي بررت بها فرنسا عملية غزو الجزائر، بعد ضرب الداي حسين قنصل فرنسا بالمروحة نتيجة لاشتداد الخصام بينهما نظرا لعدم التزام فرنسا بدفع ديونها للخزينة الجزائرية التي قدمت لها على شكل قروض مالية ومواد غذائية بصفة خاصة خلال المجاعة التي أجتاحت فرنسا بعد ثورة 1789م، والتي قدرت بـ 20 مليون فرنك ذهبي في ذلك الوقت، فقرر الملك الفرنسي شارل العاشر إرسال أسطولا بحريا مبررا عملية الغزو بالثأر لشرف فرنسا والانتقام من الداي حسين.

يحاول الملك شارل العاشر الرفع من شعبيته من خلال غزو الجزائر ولكن ذلك لم يمنع قيام ثورة شعبية أطاحت بحكمه إن الدوافع الحقيقية للاحتلال كانت غير ذلك، فبالإضافة إلى الصراع الديني القديم بين المسيحية والإسلام كان يسعى الاحتلال إلى الرفع من شعبية الملك شارل العاشر المنحطة والسطو على خيرات الجزائروالتهرب من دفع الديون، وكان القرار النهائي بشن الحملة قد اتخذ يوم 30 جانفي 1830 م.

حيث قام الملك الفرنسي بتعيين كل من الكونت دي بورمون قائدا عاما للحملة والأميرال دوبري (Duperré) قائدا للأسطول، وفي ماي 1830م حررت الحكومة الفرنسية وثيقـتين لتبرير حملتها، الوثيقة الأولى موجهة للدول الأوربية، والثانية للشعب الجزائري، تعلن فيها أن حملتها تستهدف تأديب العثمانيين وتحرير الجزائريين من سيطرتهم.

وفي 25 ماي 1830 م إنطلقت الحملة الفرنسية تجاه الشواطئ الجزائرية من ميناء تولون (Toulon)، وقد وضعت خطة الحملة وفق ما رسمه المهندس العسكري الخبير بوتان (Boutin) الذي جاء إلى الجزائر سنة 1808 م للتجسس عليها بطلب من الإمبراطور نابليون بونابرت، كان تعداد الحملة حوالي 37.000 رجل موزعين على 3 فرق وعلى رأس كل واحدة منها جنرالا، تحملهم 675 سفينة عليها 112 مدفعا ووصلت الحملة إلى شاطئ سيدي فرج يوم 13 جوان 1830م وشرعت في عملية الإنزال مباشرة في اليوم الموالي.

في الأخير يمكن القول بأن الأعمال الحربية للبحرية الجزائرية في العهد العثماني ، لا علاقة لها بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالقرصنة بمفهومها الأوروبي . وأن كل ما قيل عنها وعن البحارة الجزائريين ومن أن أعمالهم  تنبع من التعطش لأعمال السلب والنهب ، ما هي إلا دعاية مغرضة من قِبَل عدو في حق من صنفه في خانة المعادي له وهذا لكي يبرر أعماله . ولكي يتمكن من تجنيد وتوحيد صفوف مواطنيه حول قضيته بغض النظر إن كانت أخلاقية أو شيطانية .

كما يجد أن نعرف بأن الجهاد البحري الجزائري وكما عرف الاضمحلال في المرحلة الأخيرة من الحكم العثماني للجزائر فإنه أيضا قد : ” تطور هذا الجهاد فكان أقوى ما يكون في القرن الحادي عشر ثم ضعف تدريجيا لأسباب أهمها ضعف الدولة العثمانية نفسها … وقوة الدول الأوروبية وخصوصا فرنسا وبريطانيا ثم دخول أمريكا إلى حوض الأبيض

المصدر/

موقع وييكيبيديا


Facebook Comments Box

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من موقع انس التعليمي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock