الاحتفال بالسنة الأمازيغية يناير

يناير في الجزائر

الاحتفال بالسنة الأمازيغية يناير

تبدأ السنة الجديدة الأمازيغية في 12 جانفي من كل عام لتباشر هذا العام سنتها ال2971 من التاريخ الأمازيغي ، رأس السنة الأمازيغية ليست احتفالاً دينياً وإنما هي مرتبطة بحدث تاريخي، وقد انقسم المؤرخون حول أصل الاحتفال بها إلى فريقين فيقول الفريق الأول إن اختيار 12 يناير من كل عام للاحتفال بها جاء ليرمز للاحتفال بالأرض والزراعة وهذا سبب اطلاق اسم «السنة الفلاحية» عليها.

أما الفريق الثاني فيرجعه إلى إحياء ذكرى انتصار الملك الأمازيغي «شيشنق» على الفرعون المصري رمسيس الثاني في مصر، ويرى بعض المؤرخين أن شيشنق هو فرعون مصري من أصل بربري، وقد اعتلى حكم مصر الفرعونية في عام 950 قبل الميلاد لكن تضارب الروايات بشأنه جعل بعض القصص المتداولة بشأنه أسطورية بعض الشيء.

الجزائر تعد أول بلد في شمال إفريقيا ترسم، يناير يوما وطنيا مدفوع الأجر ، منذ سنة 2018″وهو لا محالة تقدما معتبرا من حيث إعادة الاعتبار للاحتفالات الخاصة بالشعب الجزائري”.

وبعد إقراره يوما وطنيا ينتظر أن يدرج يناير والاحتفالية المصاحبة له في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.

أصل التسمية

كلمة يناير تتكون من كلمتين هي أين، أي واحد أو بداية، ويار التي تعني العام، أي بداية العام أو السنة، كما تشير كلمة أين وهي مفرد انين إلى حجرة الموقد أو “المناصب” بتعبير باقي مناطق الوطن حيث تختلف التسميات باختلاف المعنى الاجتماعي الذي يعطى لها، وحسب اختلاف مناطق الوطن وشمال إفريقيا وتقاليدها وما ارتبط بهذا التقليد من أساطير على مر العصور فمن “ينّاير” إلى “العجوزة” و”التراز” و”ثابورث أوسقاس” و”أمنزو يناير” أو “باب السنة” وهي جميعها تعني مغنى واحد بداية رأس السنة الامازيغية.

تشكل إحتفالات رأس السنة الأمازيغية مناسبة مميزة عند الجزائريين، وهو تقويم خاص بالأمازيغ سكان بلدان المغرب، ويطلق عليه “ينَاير” ويبدأ الاحتفال به يوم الثاني عشر من يناير. وتعني عبارة “أسقاس أمقاس” بالأمازيغية سنة سعيدة.
للاحتفال برأس السنة الأمازيغية نكهة خاصة، لدى أمازيغ الجزائر والبلدان المغاربية الأخرى، ويتم إحياؤها بطقوس خاصة وعادات تعكس تقاليد وهوية الأمازيغ. وتختلف تسميات الاحتفالات برأس السنة الامازيغية بين “ينَاير” و”املالن”، أو “اقورارن”، بحسب اختلاف اللهجات الأمازيغية في الجزائر.

الاحتفال و التقاليد

وفي هذا اليوم يحق للجميع الفرح حيث يحرص أفراد الأسرة على الحضور مجتمعين على مائدة العشاء في أطباق تعد خصيصا لهذا اليوم، حيث تحضر الأمهات كميات كافية جدا حيث يجب في هذا اليوم أن يأكل الجميع حتى الشبع، كما يسمح للأطفال بمشاركة الكبار أطباقهم واختيار قطع اللحم التي تروقهم، وفي هذا اليوم تحرم إعارة الأواني من عند الجيران اعتقادا انه دلالة على الفاقة والحاجة، كما يمنع في بعض المناطق العمل حيث تعمد السيدات إلى إخراج مناسجهن وآلات النول قرب البيت، فاليوم هو وقفة لإعادة ترتيب المسار وتقييم سنة كاملة مرت. في هذا اليوم أيضا تعد بعض العائلات ما يعرف بالتراز أو القشفشة، وتقوم كبرى سيدات البيت “الجدة أو الأم” بصب هذا الخليط على رأس اصغر أولاد البيت داخل قصعة كرمز على فيضان الخير وحلاوة الأيام القادمة.
أمازيغ الجزائر يحتفلون بـ”ينَاير” رمزا للهوية والتضامن

أطباق الأكل التقليدي 

تحرص العائلات الجزائرية كلها و التي أصبحت تشارك الأمازيغ الاحتفال بهذه المناسبة على منح أطباق من “الكسكسى” الشهير في شمال إفريقيا للجيران و الأقارب بل و حتى أفراد العائلة الغائبين توضع لهم ملاعق فوق المائدة رمزا لحضورهم.

وفي باقي الأيام الموالية لأول يناير والتي قد تصل الأسبوع فالعائلات تقوم بإعداد أطباق أخرى بدون لحم مكونة من الحمص و القمح و الفول وحبوب جافة أخرى منتجة محليا للرمز إلى الخصوبة و وفرة المحاصيل بالإضافة إلى بعض الفطائر المصنوعة من السكر اساسا للتفاؤل بسنة حلوة مع الحرص على عدم تناول مأكولات حامضة مثلا لتجنب عيش أيام بمثل مذاقها.

كما تقوم المرأة القبائلية بموازاة ذلك بتحضير مأكولات تقليدية مختلفة ومتنوعة خاصة بمنطقة القبائل وتخص المناسبة، وذلك لما يرجح أن له تأثير بالغ على العائلة ورزقها طوال أيام السنة الجديدة، حيث أن تنوع أطباق هذه المأكولات يوحي بكثرة الرزق والأرباح وجني محصول وفير خلال السنة القادمة.

و يتمثل التقليد الأكثر شيوعا في إراقة دم حيوان و من المفضل أن يكون ديك بلدي، لكن مناطق أخرى
تختلف العادات بها، ففي وسط العاصمة الجزائرية لا يشترط نوع معين من الذبيحة، فالمهم حسب المعتقدات السائدة هو أن يكون هناك لحم، وهذا لحماية العائلة من الأمراض والعين الحاسدة، كما أنها تقي أفرادها من المخاطر طول أيام السنة.

كما يأخذ الاحتفال برأس السنة الأمازيغية نكهة خاصة لدى أمازيغ الجزائر والبلدان المغاربية الأخرى، ويتم إحياؤها بطقوس مميزة وعادات تعكس تقاليد وهوية الأمازيغ، فهناك من يجعله تاريخا لزواجه وعقد قرانه أو يتم فيه قص شعر الصبية لأول مرة و فيه ايضا تتزين النساء خاصة الغير متزوجات بالكحول والحلي التقليدية لجلب نظرات أعين الرجال التي تريد الزواج.

كما تجري العادة بنفس المناسبة بغرس بعض الأشجار والنباتات في الحقول لإبعاد الطفيليات و القيام أيضا بطلاء جدران البيوت و تغيير بعض الأثاث للتفاؤل بالأخبار السعيدة والجديدة.
وحكاية “يناير” مع الأطفال تكاد لا تنتهي، ففيه يوم الختان وفيه صب للحلوى على رؤوسهم بعد وضعهم في صحون كبيرة لتكون سنتهم المقبلة حلوةٌ جميلة.

الوزيعة” من أبرز فعاليات الاحتفالات

ومن بين أهم العادات في الاحتفال بالعيد الأمازيغي لدى العائلات الجزائرية هي التضامن مع العائلات الفقيرة، حيث تقوم العائلات الميسورة من التجمع في بيت واحد وجمع الأموال و تحضير الأطباق التقليدية المتمثلة في “الرشتة، و ثيغريفين”، وأثناء تحضيرها تبدأ النسوة بترديد الاغاني القديمة. وبعد الانتهاء يتم توزيع المأكولات في شكل حصص متساوية على الفقراء ويطلق عليها اسم “الوزيعة”، وتقام الوزيعة في مختلف ارجاء البلاد.

وفي الجنوب الجزائري، يحتفل بربر الطوارق باليوم الأمازيغي في أسبوع كامل و يطلق عليه اسم ” الأسبوع الامازيغي”، حيث تجتمع كل قبائل الطوارق في مكان واحد ولمدة أسبوع كامل، وخلاله يتم تحضير الاطباق التقليدية في الفترات الصباحية، وفي المساء يتم توزيعها على كافة القبائل، وفي فترة الليل تقوم الفرق الموسيقية بالتهليل والغناء والرقص حتى الصباح.

يقول اهل بجاية : “يناير هو يومنا نحن الأمازيغ نحتفل بانتصار شيشناق، ومن عاداتنا اليوم تحضير طبق الطعام مشهور وهو الكسكسي، ونذبح الحيوانات من أجل لحومها، عادة ما تكون دجاجة، حيث يقوم كبير العائلة بذبح ديك ونحضره للعشاء الذي يحضره جميع أفراد العائلة والعشيرة ونحتفل في الليل بالأغاني ووضع الحنة للأطفا”.

إحتفالية يناير تقيمها بعض قرى ولاية تيزي وزو كبرى منطقة القبائل، الأمازيغية، من خلال ذبح ديك عن كل رجل ودجاجة عن كل امرأة، وديك ودجاجة معا عن كل امرأة حامل من العائلة، وهو ما أكدته لنا إحدى عجائز المنطقة وتدعى الطاوس حيث قالت “نطهي الدجاجات، في قدر طيني واحد، توزع على أفراد العائلة كل بحصته، دجاجة لكل واحد وعليه ان يكملها ولو لفترة تستمر إلى أيام، على ألا يأكل أحد من دجاجة أخرى ليست له”.

وللأطفال نصيب من الاحتفال

تقوم العائلات التي لديها أطفال صغار كما شرحت لنا أم رضا بوضع أطفالها في داخل قصعة كبيرة ويتم وضع الحلوى فوق رؤوسهم حتى تكون سنة 2964 الأمازيغية سنة خير عليهم، كما تحرص بعض العائلات تضيف أم رضا بقرى ومداشر القبائل الكبرى على عادات جميلة ألفت عليها، على غرار حلق رؤوس الأطفال الصغار الذين لم يمر عليهم العام، في إحتفالية بهيجة يحضرها كافة أفراد العائلة، مع اقتناء كسوة خاصة للطفل المحتفى به، مع تحضير أطباق مميزة بالمناسبة، من طبق الكسكسي إلى طبق بركوكس على ان توزع منها إلى الجيران الذين يتمنون حياتا سعيدة للطفل، وكافة عائلته، كما تحضر عائلات أخرى طبق “البغرير بالعسل” تفاؤلا بعام كله خيرات.

وإلى جانب تحضير الأطباق الشهية والاحتفال مع الأطفال ما يميز يناير في الجزائر توزيع الأكل على الفقراء والمساكين في كل المناطق الجزائرية الذين لا يتمكنون من الاحتفال.

وتختلف العادات والتقاليد في الجزائر بين أمازيغ وطوارق إلا أنهم يتفقون ويحتفلون في يوم 13 يناير من كل سنة بعيد الامازيغ دون استثناء، ويتضامنون فيما بينهم لخلق جو من الرحمة والمحبة يلمسها المرء عبر الشوارع بين الناس الذين نجدهم في هذا اليوم يتبادلون الهدايا والتمنيات بقول كلمة “أسقاس أمقاس” و تعني عام سعيد.

وفي بعض مناطق الوطن يقوم الأطفال بالطواف بالعائلات ويجمعون كميات كافية من الطعام المختلف ويقومون بعدها بإعداد لعبة “ثاعشت” أو “ثاعشونت” وهي لعبة يتم من خلال تعويد الأطفال على تحمل المسؤولية، حيث توكل في اللعبة إلى الطفلة مهمة إعداد الطعام وترتيب أمور البيت، بينما توكل للطفل مهمة الأعمال الخارجية.

 

Facebook Comments Box

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من موقع انس التعليمي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock